ابن تيمية

24

مجموعة الفتاوى

وَأَيْضاً فَكَوْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَاءَ لِلْمُلْكِ بَعْدَ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ تَرْكَ بَعْضِ الدِّينِ الْوَاجِبِ . وَقَدْ يَحْتَجُّ مَنْ يُجَوِّزُ " الْمُلْكَ " بِالنُّصُوصِ الَّتِي مِنْهَا { قَوْلُهُ لِمُعَاوِيَةَ : إنْ مَلَكْت فَأَحْسِنْ } وَنَحْوَ ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ . وَيُحْتَجُّ بِأَنَّ عُمَرَ أَقَرَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ عَلَى مَا رَآهُ مِنْ أُبَّهَةِ الْمُلْكِ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ فَإِنَّ عُمَرَ قَالَ : لَا آمُرُك وَلَا أَنْهَاك وَيُقَالُ فِي هَذَا : إنَّ عُمَرَ لَمْ يَنْهَهُ ؛ لَا أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ ذَكَرَ وَجْهَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَثِقْ عُمَرُ بِالْحَاجَةِ . فَصَارَ مَحَلَّ اجْتِهَادٍ فِي الْجُمْلَةِ فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُتَوَسِّطَانِ : أَنْ يُقَالَ : الْخِلَافَةُ وَاجِبَةٌ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ . أَوْ أَنْ يُقَالَ : يَجُوزُ قَبُولُهَا مِن المُلْكِ بِمَا يُيَسِّرُ فِعْلَ الْمَقْصُودِ بِالْوِلَايَةِ وَلَا يُعَسِّرُهُ ؛ إذْ مَا يَبْعُدُ الْمَقْصُودُ بِدُونِهِ لَا بُدَّ مِنْ إجَازَتِهِ وَأَمَّا مُلْك فَإِيجَابُهُ أَوْ اسْتِحْبَابُهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ . وَهُنَا طَرَفَانِ " أَحَدُهُمَا " مَنْ يُوجِبُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ وَزَمَانٍ وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَيَذُمُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقاً أَوْ لِحَاجَةِ كَمَا هُوَ حَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ مِن الخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَةِ وَطَوَائِفَ مِن المُتَسَنِّنَةِ وَالْمُتَزَهِّدَةِ . وَالثَّانِي :